الكرتون ماله وما عليه






الكرتون ماله وما عليه

 ثقافة وعلم 
 أنا وعائلتي  2018/09/17



الكاتب: زهير شيخ تراب

تعد برامج الرسوم المتحركة من أهم وسائل التسلية للأطفال، ذات الانتشار الواسع كونها تجذب الطفل وتلفت انتباهه بوسائط متعددة من الألوان والأشكال والحركة والإبهار.
ويظن البعض أنها وسيلة لإشغال الطفل وتلهيته، لتتفرغ الأم لأشغالها وأعمالها ولساعات طويلة وكافية بكبس زر التلفاز على محطة أطفال، وتترك طفلها سارحا بين الخيال والقصص دون الانتباه إليه.
لكن أيتها الأم هل أدركتِ ما لهذه العادة من آثار تربوية ونفسية على طفلك؟، تعالي معنا لنتعرف على هذه الآثار الإيجابية أو السلبية.
النشأة والتطور:
في عام 1911 بدأ الرسام الأمريكي وينسرمكاي بعرض (نيمو الصغير) فلمه للرسوم المتحركة في نيويورك، مستخدما الأساليب التقنية والمؤثرات للإقناع الحسي وإضفاء السمات الذاتية للشخصيات.
 
وفي عام 1914 قام فنان الرسوم المتحركة الأمريكي جون راندولف بإدخال أنظمة التنسيق الانسيابي، فأصبح العمل بالنهج الآلي للمصانع الحديثة، وظهرت سلسلة من الأفلام عام 1915 لرسام ماكس فليتشر لشخصيات من ابتكاره مثل كوكو البهلوان بيتي بوب والبحار بوب أي، ولرسام آخر يدعى سوليفان سلسلة القط فيليكس وغيرها.. 
 
وأطلقت شركة والت ديزني أول فلم كرتون لها 1923 ، وهو اليس في بلاد العجائب، وكان الإنتاح صامتا، وفي عام1928 قدمت فيلم ميكي ماوس والسينفونيات المضحكة.
وانطلقت بعد ذلك الشركات وتنوعت الإنتاجات السينمائية لأفلام الرسوم المتحركة إلى أن وصلت إلى تقنيات الفيديو والرسم الإلكتروني.
ومع انطلاق التلفاز وتطور وسائله ظهرت الرسوم المتحركة لفترات قصيرة قبل برامج الكبار، ومع البث الفضائي ما لبثت أن أصبحت قنوات متخصصة للأطفال تقدم أفلام الكرتون على مدار النهار والليل دون كلل أو ملل.
مرحلة الرومنسية:
بدأت الرسوم المتحركة ببرامج وقصص رومانسية ابداعية ذات مغزى، تلامس العواطف والمشاعر وتعكس جمال المنظر وشفافية الأحاسيس الإنسانية، والمشاعر النبيلة التي تجذب الطفل إلى القيم والاخلاق النبيلة من محبة وعطف وإحسان ومساعدة الناس مستفيدة من القصص العالمية. ثم أصبحت الكتابة الخاصة بالرسوم المتحركة تخصصا بحد ذاته.
وكثيراً ما نجد قصص اليتم والفقد والتشرد التي تنم عن حالة من التفكك الأسري، وضياع الأولاد وقصص المعاناة من آثار الفقر والظلم والحسد، ومثال ذلك ريمي وسنووايت والأقزام السبعة وغيرها.
 
قصص الحب في أفلام الكرتون:
لم يدع الكرتون مجالا إلا ودخله حتى قصص الحب، فقد انتجت الأفلام الكثيرة التي تحكي قصة حب بين فتى وفتاة ، وأظهرت معاناة الشوق والفراق، ومن ذلك قصة فيلم انيمي التي تنتهي بانتقال الفتاة مع أسرتها ليظل الفتى يعاني العشق والحنين وغير ذلك من قصص واقعية جسدها الكرتون ممزوجة بالخيال العلمي. 
 
ومن هنا نرى أن الكرتون لم يكن للصغار فحسب وإنما هو قصص موجهة للكبار، وللكبار فقط لكن ينخدع الأهل بها وتعرض على الصغار.
قصص الخيال العلمي:
وشيئا فشيئا تخلى الكرتون عن الرومانسية ومحاكاة المشاعر الجميلة إلى ناحية أخرى هي الخيال العلمي من تحريك الريبوتات، والسيطرة على العالم وغزو الفضاء، واستعمال الأسلحة الفتاكة وفناء البشرية، واختراع عدو وهمي يريد تدمير الأرض وغير ذلك.

 

 
وقد يهدف إلى استشراف المستقبل والتنبؤ به، من خلال إدخال فكرة لتصبح راسخة في اذهان الأطفال، وتصبح حقيقة واقعة في المستقبل.
الشكل الفني:
تغير الشكل الفني للكرتون ليصبح فضاء تتحكم به كائنات غير بشرية مشوهة الشكل متوحشة لا تشبه الإنسان أبداً ذات رؤية بصرية قميئة. تسيء إلى النفس وتشوه الحس الجمالي لديها فهي مخلوقات عجيبة الشكل متعددة الأطراف والرؤوس وأجسادها لاهي بالحشرة ولا بالبشر.. وقد تكون مقرفة لكن تعود الطفل عليها يجعله يتقبلها فيفقد الحس بالجمال.
 
تجسيد شخصية المخلص:
إن فكرة البطل الخارق الذي لا يهزم والذي يعول عليه تخليص البشرية من خطر داهم، يأتي من جهة ما في الفضاء، أو في أعماق المحيطات حيث الحضارات المندثرة، والتي تحاول الانتعاش مرة أخرى لتعود إلى الحياة على حساب أقوام وقبائل متخلفة أو بدائية، وذلك من خلال إعطائها الشرعية الحضارة وتكريس مبدأ البقاء للأقوى، وهذا ما تروج له الدول الامبريالية للسيطرة على العالم علميا وثقافيا واقتصاديا. ويمثل كريندايزر البطل المخلص الذي لا يقهر ليرد العدوان ويسحق الأشرار. 
 
أما الأشرار فيجسدون أحيانا بشخوص محببة تجذب الطفل وتركن نفسه إليهم.
تكريس ثقافة العنف والقتل:
بعد ما كانت قصص الكرتون تستهدف المشاعر تحولت إلى تكريس ثقافة العنف والقتل وصراع الحضارات والغزو والاعتماد على القوة الجسدية أو قوة الأسلحة الفتاكة المدمرة، ومن لا يمتلكها يسحق ويهزم ويخرج من التاريخ، حتى أضحت الشخصيات الكرتونية القوية قدوة تحتذى، ومثال يقلده الأطفال ويمارسون العنف على أقرانهم في المدرسة واللعب فيؤذون أنفسهم وغيرهم على حد سواء، كما في توم سوير الطفل المشاغب والسارق وغير ذلك ويظهر بصورة جاذبة للطفل.
 
الإساءة للعرب والثقافة المغايرة للغرب:
تظهر في بعض الأفلام الشخصية الشريرة المكروهة ذات الصفاة السيئة مرتدية الزي العربي, وقد تظهر ببعض البلاهة والجهل والتخلف وبرفقة الشخصية جمل في بيئة صحراوية وترتدي الثوب والعقال العربيين وذلك إمعانا في الإساءة للعرب. 
تكريس ثقافة السحر والشعوذة: 
يكاد لا يخلو فيلم من الرسوم المتحركة من قصة مشعوذ أو ساحرة تغير الخلق، وتفعل المعجزات وتقدر على تغيير المصير. ويحضرني هنا ما يمكن القول إنه إساءة للذات الإلهية في القدرة على كل شيء حتى الخلق.. ومن ذلك قصة فيلم يحمل أبطاله أسماء من أسماء الله وصفاته كل منهم يستطيع عمل شيء ما واتحادهم هو القوة الخارقة.
أما عن القيم الأخلاقية فحدث ولا حرج، فتظهر الرموز الإسلامية كلما ظهر الشر كالهلال والمآذن. ناهيك عن إظهار الخنزير بشكل محبب ولطيف وتناول الخمر والسكر والعربدة بشكل صريح وواضح حتى في الأفلام التي نستطيع القول إنها للأطفال فقط..
أما عن منظر العري واستعمال الحمام بشكل واضح فلا تسأل، لأنها من الممارسات العادية التي لا يخجل منها المجتمع الغربي، لكنها تعرض على أطفالنا بشكل فظ. 
ولا تنسى تبادل القبل الحميمة بين أبطال القصة رومانسية كانت أم غير ذلك، فلا بد من قصة حب حتى في مدرسة الأطفال ومباراة كرة القدم.
وقد تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي أخبارا عن بعض التوجهات الكرتونية، بإظهار الإيحاءات الجنسية من خلال الرسوم والتركيز على الجسد، وإظهار مفاتنه وإظهار الأماكن الحساسة بشكل غير مباشر، لكنني أربأ بنفسي الدخول في التفاصيل لأنها مخجلة حقاً. 
الكرتون الدعائي والترويجي:
ابتكر أصحاب المنتجات الصناعية طرقا للترويج لمنتجاتهم من مأكولات ومشروبات وغيرها من السلع بطريقة صناعة أفلام كرتونية، مثل باباي البحار للترويج للسبانخ.. وغيره روج لفطيرة البيتزا وهناك من روج لمشروبات وعصائر على أنها تكسب الطاقة والقوة والنجاح على شكل قصة درامية أو مغامرة، وقد تكون المنتجات مؤذية لكنها تروج عبر الدعاية الكرتونية التي تجذب الأطفال والكبار معا.
 
كل ذلك صور منافية للأخلاق والقيم التربوية العربية وتغيب عنها الرقابة رغم بعض المحاولات لمحوها، أو تغييرها في الفيلم بالرسم أو بالحوار لكنها مفهومة بشكل واضح للصغير والكبير.
نقاط إيجابية:
أفضتُ في الحديث عن السلبيات التي تُؤخذ على الكرتون تربويا وأخلاقيا، ولكن لا يخلو الأمر من نقاط إيجابية تسجل للرسوم المتحركة ومنها:
-    التعليم من خلال المشاهدة والتسلية والمتعة فهي طريقة تربوية واسعة الاستعمال بالوسائل الحديثة للتربية والتعليم.
-    تكريس بعض القيم الجمالية والأخلاقية كالشجاعة والإيثار ولحب الخير وحب الوطن والتضحية من أجله.
-    اكتساب وتعلم مهارات عملية من خلال قصة ممتعة، مثل فلونا التي تجبرها ظروفها لإعادة اكتشاف الطبيعة والحياة من جديد في جزيرة نائية خالية من السكان، فتتعايش مع الطبيعة وتبتكر وعائلتها الكثير من الحلول وكذلك سامي رجل الإطفاء.
-    تكريس حب الرياضة وممارستها بشكل سليم.
-    تعلم الأساليب الصحية الصحيحة والاهتمام بالنظافة والصحة العامة.
-    التركيز على العادات الاجتماعية الجيدة ونبذ السيء منها.
-    تقوية اللغة العربية أو الأجنبية من خلال تكرار المشاهدة والاستماع إلى اللفظ الصحيح مما يكون ملكة لدى الطفل.
-    التعرف على التاريخ المشرق والانجازات الإنسانية التي تفيد البشرية.
كل تلك النقط تستدعي انجاز كرتون خاص من خلال الإنتاج أو إعادة الإعداد الجديد لما يتناسب وقيمنا وأخلاقنا العربية والتربوية، بالاعتماد على كتّاب وفنانين ملتزمين بتلك القيم.. وهنا لا بد من إيجاد الكرتون العربي والإبداع فيه بما يزاحم الغربي ليكون مادة لمحطاتنا التلفزيونية
الأثر النفسي للكرتون على الطفل:
تترك كل مشاهدة اثرا نفسيا على الطفل، مما يسهم في تكوين شخصيته المستقلة، ومن هذه الآثار.. التعود على نمط وأسلوب حياة خاصة يتسم بالإدمان على المشاهدة، التي بدورها تجعل من الطفل انطوائيا، قليل الكلام والحركة لا يحسن التواصل مع مجتمعه. وقد يصبح متمرداً صعب القياد 
أما المشاهدات غير المراقبة فقد تجعل من الطفل شديد العنف، يتمثل الشخصيات الكرتونية ويقلدها بالشغب وردات الفعل العنيفة، ومحاولة ايجاد الحلول بالقوة والأنانية.
غير أن بعض الشخصيات من ذوات القوة الخارقة، هي أخطر ما يقلده الطفل، فقد يدفع بنفسه إلى الضرر والهلاك من خلال تقليد شخصية مثل سوبر مان أو باتمان وغيرها.
ومن ذلك نجد من الضرورة بمكان متابعة ومشاهدة ما يشاهد أطفالنا ومراقبة تصرفاتهم وردود أفعالهم وممارساتهم. 
وفي النهاية نعطي لكل ذي حق حقه فلا نسرف في ترك الأطفال أمام التلفاز يضيعون أوقاتهم، بل يجب استثمار الوقت بشكل يكسب الطفل المعرفة والمهارة اللازمة له، لتدخل في تكوين شخصيته المتوازنة واكتساب القيم الإيجابية لها والأخلاقية الحسنة



المزيد من التعليقات



صندوق الأمم المتحدة للسكان

الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية

تقوم الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية SCS بتطوير هذه المنصة بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA ومن خلال برنامج التعليم للجميع Education For All الذي تنفذه مجموعة من المنظمات الدولية العاملة في سورية بدعم من شعب اليابان. إن محتويات هذه المنصة خاصة بالمؤلفين، ولاتعكس بالضرورة آراء الأمم المتحدة بما فيها صندوق الأمم المتحدة للسكان أو الدول الأعضاء للأمم المتحدة، أو أراء الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية

Copyright © 2019 Syrian Family Life Style.