الصحة النفسية رفاهية أم ضرورة؟






 الصحة النفسية رفاهية أم ضرورة؟

 طبيب العائلة 
 أنا وعائلتي  2018/05/21



د.رهف قره حمودة

كيف صحتك؟

السؤال الذي نسمعه كثيرا بين أفراد الأسر، وبين الأصدقاء، وفي بيئة العمل...وسواء كانت هذه الإجابات روتينية اعتيادية، أو تتطرق لبعض مؤشرات صحة الجسد مثل التعب أو الآلام...إلا أنه غالبا، لا يخطر في بالنا معظم الأحيان أن نهتم بصحتنا النفسية مالها وما يلزمها ..مع أننا غالباً نجيب في إطارها ، إجابات مثل "أشعر بالتعب النفسي"  حزين ومحبط" "أشعر وكأن الكون لا يسعني" كلها إجابات عن المشاعر وهو أحد المؤشرات الدقيقة لصحة نفسية جيدة أو سيئة . فلماذا اذاً لا نتطرق للصحة النفسية إلا عند التحدث عن الأمراض والاضطرابات النفسية فقط؟

تعود الأسباب إلى التركيز سابقاً على الصحة النفسية على أنها البراءة من أعراض المرض النفسي أو العقلي. أما النظرة الإيجابية العملية الجديدة لا تقتصر على خلو الفرد من أي اضطراب نفسي يوجد في أدلة التشخيص فقط بل تُعرّف الصحة النفسية على أنها مجموعة صفات وخصائص فعالة تتيح للفرد فرصة تنمية قدراته وإمكاناته لمواجهة الضغوط الحياتية التي يتعرض لها في مختلف مراحل حياته لتلبية حاجاته.

إذاً ماهي صحتك النفسية؟  

 هي باختصار قدرتك على استخدام مواردك وقدراتك في التكيف مع ذاتك ومجتمعك الذي تعيش فيه.

فأي صعوبة في التعامل مع مشكلاتك مثلاً، كمشكلة الطفل العنيد للأم ومشكلة التحصيل الدراسي للطالب ومشكلة الانتاج لمدير العمل وغيرها، هي مشكلات إذا ما تم حلها أو التكيف معها إيجابياً سيشعر الفرد منهم بالتعب النفسي الذي إن ازداد سيكون مصدرا للأوجاع وأمراض جسدية كالقرحة المعدية وأنواع معينة من الصداعات أو اضطرابات نفسية كالاكتئاب أو الوساوس القهرية.

لنأخذ مثلا سؤال:

لماذا يتوتر الإنسان؟

الجواب: التوتر هو استجابة فطرية لإشارات الخطر وله مظاهر جسمية ونفسية ومنها الشد العضلي والرعشة وازدياد ضربات القلب وسرعة التنفس...التوتر في الأصل وظيفة طبيعية ايجابية تهيئ الجسم والنفس للتصرف الأمثل، وانعدام التوتر يبقي الإنسان دون حراك وفي سكون وهذا لا يتناسب مع الحياة الاعتيادية، والقليل منه مفيد وإيجابي وكثيره يؤدي إلى أعراض مرضية مزعجة وتصرفات مبالغ فيها.

أما الأسباب النفسية له فتدور في فلك عدم معرفة العالم من حولنا كما يجب بسبب نقص الخبرة أو صغر السن.

فمثلاً، التربية الغضّة الخاطئة التي لم يستطع فيها الأهالي إكساب أطفالهم مهارات تحمل المسؤولية، فنراهم عند أول مشكلة تواجههم في توتر وإحساس بالعجز.

هناك أيضاً أخطاء شائعة في التفكير كالمبالغة والاستنتاجات الخاطئة للأمور التي تدفع بالفرد إلى توتر مبالغ به وغير صحي.

لذلك كان من المهم معرفة الأسباب الكامنة وراء تدهور صحتنا النفسية لمعرفة اختيار الحلول المناسبة لمشكلاتنا.

إذاً لماذا علينا الاهتمام بصحتنا النفسية؟

لأنها ترتبط بصحتنا الجسدية فالعقل والجسد منظومة واحدة ولأن أغلب أسباب مشكلاتنا في الأسرة أو العمل أو غيرها تتمحور في عدم التوافق النفسي مع الذات ومع المحيط الذي نعيش فيه.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل فعلا نستطيع تحسين صحتنا النفسية؟ الجواب نعم ذلك لأن السلوك البشري ومن ضمنه السلوك المعرفي يخضع للحتمية السببية فيمكن لأطباعنا أن تتبدل بفعل التعلم الصحيح لسلوكيات صحيحة.

إذاً كيف نحصل بشكل عملي على صحة نفسية جيدة؟

حقيقةً يجب أن نقوم بالتزود المعرفي حتى يتم التغيير للأفضل وهذه عملية مستمرة إلا أنني قد لخصتها مع التبسيط الى الآليات التالية:

●       ابن في نفسك الثقة بقدراتك:

فالنظرة الإيجابية للذات بعيداً عن التضخيم أو التحطيم يحسن مزاجك وبالتالي يحسن صحتك النفسية، فبالتركيز على نقاط القوة لتطويرها وتعديل ما هو ضعيف أو خاطئ لديك، من شأنه أن يساعد على تحسين نوعية حياتك فتقل تدريجياً مشكلاتك وتكثر لديك آليات فعالة لمواجهة الصعوبات التي تعترضك.

●       مارس الرياضة أو المشي:

الرياضة تساعد على راحة العضلات التي تعاني التشنج بفعل التوتر أو غيره كما أنها تجعل الجسم يفرز الأندروفينات والتي تعطيك شعور السعادة وتحسن مزاجك بشكل كبير.

●       تناول الطعام بشكل مناسب وصحيح:

نحن نأكل ولكننا لا نفكر بما نأكل أو كيف نأكل، إن أسلوب الطعام الجيد يساعد على تعديل المزاج وكأمثلة أضع بين يديك ما يلي:

الوجبة المفضلة بعد نهار عمل متعب من شأنه تحسين المزاج.

تناول الطعام ببطء وهدوء يُعمم حالة التروي والهدوء للجسم والعقل معاً.

تناول بعض الأطعمة المُرشّد يقلل التوتر مثل الموز واللبن والمكسرات والشوكولا...

تناول الطعام مع العائلة والأصدقاء بين الحين والآخر يعدل المزاج بنسب عالية.

الوجبات المعتدلة مفيدة لأن التخمة تخفض المزاج وتمنع المباشرة المريحة للأعمال أو البدء بأي نشاط.

●       نم بشكل جيد:

النوم هو الوقت الذي يساعد الجسم على معاينة الضغط اليومي وتخفيفه إلا أن نوعية النوم أهم من كميته فمثلا من المهم الحرص على عدم الاستيقاظ المتكرر خلال الليل بسبب الضجيج والحرص على عدم تغيير عادات النوم بشكل مباغت ومفاجئ لأن ذلك سيعطل النهار وسيزيد من التوتر. وسطيا عليك النوم ل6 أو 8 ساعات.

●       مارس آليات توكيد الذات:

توكيد الذات يساعد على تحسين الصحة النفسية بسبب ما يمنحه من نتائج فعالة على علاقات الفرد مع ذاته ومع الآخرين فعلى سبيل المثال وليس الحصر:

اكتب ما تحبه في نفسك وتريده أن يستمر لأنه فعال مثلاً "أحب أنني صديق موجود عند الحاجة ولطيف في التعامل ومتفهم"

بينت الدراسات أن آليات توكيد الذات تساعد في تخفيض التوتر وتزيد من الحلول الابداعية في المواقف الحرجة.

●       مارس الاسترخاء:

من المهم كل يوم الجلوس منفرداً لمدة معينة في بيئة هادئة وإغلاق العينين والاسترخاء والتفكير في اللحظة الراهنة بدون أعباء الماضي أو قلق المستقبل، والتركيز على التنفس البطيء الهادئ، وفي حال جاءت أفكار تعطل حالة الاسترخاء لديك قم بإعادة التركيز على تنفسك مرة أخرى بشهيق طويل وزفير أطول.

هذا ويوجد آليات كثيرة لتحسين صحتك النفسية كصد الأفكار السلبية وتصحيح الأفكار الخاطئة يلزمها حديثها الخاص.

هذا الطرح وتلك الوسائل ليست تنظير، فالعناية بالصحة النفسية من شأنه أن يحسن الحياة العامة للفرد ويقيه من الاصابة باضطرابات جسدية ونفسية يلزمها جلسات من العلاج الدوائي والنفسي الداعم، لذلك منهج الوقاية والتعلم الايجابي سيوفر الوقت والجهد واستنزاف الموارد.

وبالنهاية تكون الإجابة الضمنية عن سؤال   كيف صحتك؟ هي:

صحتي جيدة نفسياً وجسدياً، أحاول التكيف ومازلت أحاول، وأَحرص على تعلم ما يلزم لتغيير مشاعري وأفكاري وبالتالي سلوكي للأفضل، قد لا أنجح، لكنني سأستمر بالمحاولة، قد لا أجد الحل إنما سأجرب البدائل سعيد بما لدي من قدرات وموارد إيجابية، أسعى لتطويرها وتعديل ما هو خاطئ، أحاول خلق توازن بين مكونات حياتي الجسدية والمعرفية والاجتماعية...ومازلت أحاول.

 

المصادر:

الحجار، وضاح (1999) الوجيز في فن ممارسة العلاج النفسي السلوكي دار النفائس بيروت

الرفاعي ،نعيم ((1998 الصحة النفسية   مطبعة جامعة دمشق

المالح ، حسان (1997) الطب النفسي والحياة 2 مقالات مشكلات وفوائد دار الاشراقات دمشق

كاغان ،جيروم (1983) نمو الشخصية ترجمة عبد المجيد نشواتي منشورات وزارة الثقافة دمشق

https://www.wikihow.com/Have-Good-Mental-Health

 

 

 


 



    لايوجد تعليقات


صندوق الأمم المتحدة للسكان

الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية

تقوم الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية SCS بتطوير هذه المنصة بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA ومن خلال برنامج التعليم للجميع Education For All الذي تنفذه مجموعة من المنظمات الدولية العاملة في سورية بدعم من شعب اليابان. إن محتويات هذه المنصة خاصة بالمؤلفين، ولاتعكس بالضرورة آراء الأمم المتحدة بما فيها صندوق الأمم المتحدة للسكان أو الدول الأعضاء للأمم المتحدة، أو أراء الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية

Copyright © 2019 Syrian Family Life Style.