الساعة البيولوجية وأثرها على صحتنا






الساعة البيولوجية وأثرها على صحتنا

 طبيب العائلة 
 أنا وعائلتي  2018/05/31



مهما كانت حياتنا صاخبة مليئة بالأحداث والتحديات أو هادئة رتيبة، ومهما كنا مغامرين متمردين و تواقين للتغيير، أو محبين للسكينة والحياة البسيطة، لا بد أن نعيش دورتنا اليومية من النشاط والانحسار كموج البحر الذي لا يتوقف عن الحركة جيئةً وذهاباً، هذه الدورة التي تشعرنا بتدفق الحياة وجمالها، ففي المساء نشعر بالنعاس والخمول الذي يرخي أجفاننا ويلقينا في ثبات عميق...إنه النوم...له سمعة وسطوة حتى أنه سمي سلطاناً، وفي الصباح نستيقظ ونحن ملأى بالنشاط والحيوة، وتتوالى هذه الدورة من النوم والاستيقاظ طوال حياتنا، وتدعى هذه الدورة أحياناً بدورة الحياة والموت الصغرى، وقد نكون محقين في ذلك، ففي كل يوم نُخلَق إنساناً جديداً وفريداً يختلف عن أي يوم آخر.

سمى العلماء هذه الدورة من النوم والاستيقاظ بالساعة البيولوجية، لأن هناك نظاما دقيقاً يحكمها متوطداً عميقاً في الدماغ، فهذه الساعة ليست مسؤولة عن النوم والاستيقاظ فحسب، بل تؤثر أيضا في العديد من أنظمة ووظائف الجسم مثل الجوع والنشاط واليقظة الذهنية والإجهاد والتوتر ووظائف القلب وجهاز المناعة في أجسامنا.

هل عدم انتظام دورة النوم يؤثر علينا:

عادة ما يظهر هذا التأثير جلياً عندما نغير مواعيد نومنا أو عند الانتقال من التوقيت الصيفي للشتوي وبالعكس حيث يشعر العديدون باضطراب في مواعيد جوعهم وتغير في نشاطهم الذهني والنفسي.

لقد أكدت الدراسات الإحصائية ازدياد معدل الحوادث المرورية وإصابات العمل عندما نفقد ساعة من نومنا، كما أن مرضى القلب يكونون أكثر عرضة للإصابة باحتشاء عضلة القلب في الأسبوع التالي لموعد الانتقال للتوقيت الصيفي، ولكن الأهم من ذلك هو أن العلم يواصل اكتشاف روابط مهمة بين اضطراب الساعة البيولوجية والقضايا الصحية المزمنة، من السكري إلى أمراض القلب إلى تدهور الإدراك.

لقد أتاحت لنا هذه الدراسات الخاصة بالنوم أن نفهم المزيد عن كيفية تفاعل الساعة البيولوجية مع أنظمة الجسم الأخرى، وكيف أنها تساعد في تنظيم وظائف الأنظمة الأخرى وتؤثر على صحتنا العامة.

 في الواقع، قد يكون الحفاظ على الدورة اليومية لجسمنا على أساس متساوي واحد من أفضل الأشياء التي يمكننا القيام بها لصحتنا العامة.

جسدنا يعمل كالساعة السويسرية!

قد تبدو فكرة الساعة البيولوجية وكأنها استعارة غريبة، لكن في الواقع هناك منطقة دماغية مميزة للغاية مسؤولة عن الوقت: وهي منطقة تسمى النواة فوق الترقوية SCN، وتقع فوق نقطة تقاطع العصب البصري في الدماغ مباشرة. يمكّن هذا الموقع شبكة SCN من تلقي الإشارات التي تحتاجها هذه المنطقة الدماغية من الضوء القادم من البيئة الخارجية لمساعدتها على الحفاظ على الوقت، أي أن للضوء عامل حاسم في ضبط ساعتنا البيولوجية الداخلية.

 

لكن الجينات لها تأثير مهم أيضاً على ساعة الجسم والإيقاع اليومي، حيث يتطلب نظام الساعة البيولوجية كلا نوعي المدخلات - الضوء والجينات - لإبقائه على المسار الصحيح، وللبقاء على دورة 24 ساعة فإن الدماغ يحتاج إلى إدخال ضوء الشمس من خلال العينين لإعادة ضبط نفسه كل يوم، وعندما يُسمح للإنسان بالهروب من ساعة جسمه بصرف النظر عن مدخلات الشمس ، فإنه يتم إبقاؤه في ظلمة مستمرة ، وتميل الدورة اليومية للجسم إلى إطالة أمدها إلى حوالي 25 ساعة، وعندما يفتقر الأشخاص أو الحيوانات إلى الجينات التي تساعد على التحكم في دورة هذه الساعة ، فإن دورات النوم والاستيقاظ يمكن أن تبتعد أكثر أو أن تكون غائبة تمامًا. إن الحاجة إلى كلا النوعين من الإشارات -الضوء والجينات -تجعل الساعة البيولوجية مثالاً تقليديًا على كيفية عمل الجينات والبيئة بشكل مترادف للحفاظ على أداء النظام بشكل جيد.

يعمل سلوكنا ووظائف جسدنا في دورة واحدة متكاملة

يعتبر هرمون الميلاتونين مسؤولاً عن دورة الجسم اليومية، فعندما يحل الليل ويقل دخول الضوء إلى شبكة SCN، يرتفع إنتاج الميلاتونين، وهو الهرمون المسؤول عن جعلنا نشعر بالنعاس، ومع ازدياد الظلام، يعمل الجسم على إفراز المزيد من الميلاتونين، مما يشير إلى أن الدماغ يذهب إلى وضع السكون، وفي الصباح عندما تشرق الشمس، يثبط إفراز الميلاتونين، وتستأنف دارات الاستيقاظ في الدماغ عملها.

في الواقع هناك أنظمة أخرى تتبع أيضًا إيقاعًا يوميًا، حيث يتم التحكم بالكثير منها بواسطة الهرمونات والمركبات الأخرى التي تتلقى الإشارات من الساعة البيولوجية، فعلى سبيل المثال ، إن الهرمونات المسؤولة عن الجوع والتمثيل الغذائي ترتفع وتهبط على مدار اليوم، وكذلك المواد الكيميائية المشاركة في وظيفة نظام المناعة تختلف أيضاً، كما ترتفع المركبات التي تشجع على الاستجابة الالتهابية في الليل ، (وهذا هو السبب في أن الحمى تميل إلى الارتفاع ليلاً) ، أما المركبات التي تثبط الاستجابة الالتهابية فعادة ما ترتفع نهاراً.

من المحتمل أن يكون السبب في ذلك هو أن الجسم يكون أفضل في مكافحة العدوى أثناء فترة الراحة والاسترخاء، حيث يتمكن من تركيز طاقته في وظائف المناعة، بدلاً من وظائف أخرى، فمثلاً ينخفض ليلاً نشاط نظام الاستجابة للضغط النفسي، وخاصة في إفراز هرمون الإجهاد أو التوتر العصبي (الكورتيزول) خلال ساعات الليل، ويزداد في الصباح الباكر.

على الرغم من أنَّ هناك مناطق معينة من الجسم، مثل القلب، قادرة على التحكم في وظائفها الخاصة إلى حد ما، فهناك دليل قوي على أن الساعة البيولوجية للجسم تلعب دورًا رئيسيًا في التحكم بالعديد من هذه التقلبات (مثل السكر في الدم) وذلك على مدار 24 ساعة.

كيف تؤثر البيئة على ساعتنا البيولوجية؟

هناك العديد من العوامل الخارجية التي تؤثر على ساعتنا البيولوجية وتخرجها عن طور المزامنة:

  1. تغير التوقيت: العديد منا شعر باضطراب في ساعته البيولوجية عند السفر بالطائرة إلى مناطق مختلفة في التوقيت عن مكان اقامتنا، أو عند السفر إلى بلدان العين الحمراء في أقصى الشمال أو الجنوب حيث تبقى الشمس مشرقة أو غائبة لعدة أيام أو أشهر من السنة.
  2. العمل بنظام الورديات: على الرغم من أن العديد من العاملين في الورديات الليلية قد يشعرون مع الوقت بأنهم اعتادوا على هذا العمل إلا أن الدراسات أثبتت ان نظام الورديات يسبب خللاً في نظام الاستقلاب والمناعة وقد يسبب زيادة الوزن أيضاً.
  3. عدم الانتظام في مواعيد النوم: عادة ما تؤثر هذه الممارسة في المزاج العام لدينا، ومدى يقظتنا وحماسنا في العمل والحياة، وصحتنا النفسية أيضاً.

 

بماذا يمكن أن تؤثر ساعتنا البيولوجية علينا؟

أظهرت الدراسات والأبحاث في مجال الهرمونات وكيمياء الجسد أن التزامنا في تنظيم ساعتنا البيولوجية له تأثيرات كبيرة وواسعة منها:

  • انخفاض احتمال الإصابة بأمراض السكري:

حيث أثبتت الدراسات بان الميلاتونين الذي يفرزه الدماغ أثناء النوم يساهم في تنظيم افراز الأنسولين.

  •  انتظام ضربات القلب:

 حيث أن كثيراً ما تحدث اضطرابات القلب في الصباح عند الاستيقاظ أو في المساء قبل النوم، حيث تبين أن العامل الوراثي الذي يعمل على ضبط إيقاع الساعة البيولوجية في الدماغ يتحكم بالنشاط الكهربائي للقلب.

  • المناعة ومواعيد اللقاحات:

 انتظام النوم يساهم في افراز بعض المواد الكيميائية المسؤولة عن وظائف المناعة، مثل السيتوكينات والكولسترول المفيد طوال اليوم والحرمان من النوم يحرمنا من أفضل آثارها.

كما أثبتت التجارب أن الأطفال الذين يعطون اللقاحات في فترة ما بعد الظهر، والذين ينامون بعد ذلك مباشرة، يحصلون على استجابات مناعية أفضل لهذه اللقاحات، ومن المحتمل ان يكون التأثير مشابهاً لدى البالغين نظراً لتشابه أنظمة المناعة.

  • الإيقاع والمزاج:

انتظام الساعة الداخلية يساهم أيضاً في استقرارنا العاطفي وتحسين اضطرابات المزاج مثل الاكتئاب حيث أنها تنظم إفراز السيروتونين المسؤول عن مثل هذه الحالات.

كما ترتبط الساعة البيولوجية والصحة النفسية بحالات المرض مثل الزهايمر، باركنسون، وهنتنغتون، وحتى اضطراب طيف التوحد، كما يجد الباحثون أن الإيقاعات اليومية المتعطلة يمكن أن تكون تنبؤات جيدة لاحتمال تطور ضعف إدراكي معتدل يأتي مع التقدم في العمر، وحتى بالنسبة للخرف أيضاً.

 

في النهاية قد لا نضطر بأن نخبركم بأن المحافظة على الإيقاعات الطبيعية لجسدكم قد تكون أفضل نصيحة للمحافظة على صحتكم ونشاطكم الذهني والنفسي اليوم ومع تقدم العمر، لكن هل أنتم مستعدون أن تنظموا إيقاعاتكم اليومية ولو على حساب بعض النشاطات التي تقومون بها والتي قد تعتبرونها ممتعة لكم، مثل السهر أو عدم الالتزام بمواعيد الطعام والعمل والدراسة والترفيه؟

 

المصادر:

https://www.theatlantic.com/health/archive/2012/03/your-bodys-internal-clock-and-how-it-affects-your-overall-health/254518/

https://www.webmd.com/sleep-disorders/features/9-reasons-to-sleep-more#1

 



    لايوجد تعليقات


صندوق الأمم المتحدة للسكان

الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية

تقوم الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية SCS بتطوير هذه المنصة بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA ومن خلال برنامج التعليم للجميع Education For All الذي تنفذه مجموعة من المنظمات الدولية العاملة في سورية بدعم من شعب اليابان. إن محتويات هذه المنصة خاصة بالمؤلفين، ولاتعكس بالضرورة آراء الأمم المتحدة بما فيها صندوق الأمم المتحدة للسكان أو الدول الأعضاء للأمم المتحدة، أو أراء الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية

Copyright © 2019 Syrian Family Life Style.